أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

300

الكامل في اللغة والأدب

لن يصطلحوا ولكن دعهم فإنهم سيصبرون إلى حال لا يفلحون معها . ثم دسّ رجلا من أصحابه ، فقال : رأيت عسكر قطريّ فقل إني لم أزل أرى قطريا يصيب الرأي حتى نزل منزله هذا ، فبان خطؤه ، أنقيم بين المهلّب وعبد ربّه يغاديه هذا القتال ويراوحه هذا ، فنما الكلام إلى قطريّ فقال : صدق ، تنحّوا بنا عن هذا الموضع فإن اتّبعنا المهلب قاتلناه وإن أقام على عبد ربه رأيتم فيه ما تحبون ، فقال له الصلت بن مرّة : يا أمير المؤمنين إن كنت تريد اللّه فأقدم على القوم ، وإن كنت تريد الدنيا فاعلم أصحابك حتى يستأمنوا ، وأنشأ الصلت يقول : قال للمحلّين قد قرّت عيونكم * بفرقة القوم والبغضاء والهرب كنا أناسا على دين فغيّرنا * طول الجدال وخلط الجدّ باللعب ما كان أغنى رجالا ضلّ سعيهم * عن الجدال وأعناهم عن الخطب أني لأهونكم في الأرض مضطربا « 1 » * مالي سوى فرسي والرمح من نشب ثم قال : أصبح المهلّب يرجو منا ما كنا نطمع فيه منه ، فارتحل قطري . وبلغ ذلك المهلّب فقال لهريم بن عديّ بن أبي طحمة المجاشعي : إني لا آمن أن يكون قطري كادنا بترك موضعه ، فاذهب فتعرّف الخبر ، فمضى هريم في اثني عشر فارسا فلم ير في العسكر إلا عبدا وعجا ، فسألهما عن قطري وأصحابه ، فقالا : مضوا يرتادون غير هذا المنزل ، فرجع هريم إلى المهلّب فأخبره ، وفارتحل المهلّب حتى نزل خندق قطري ، فجعل يقاتلهم أحيانا بالغداة وأحيانا بالعشي . ففي ذلك يقول رجل من سدوس يقال له المعنق وكان فارسا . ليت الحرائر بالعراق شهدنا * ورأيننا بالسفح ذي الأجيال فنكحن أهل الجزء « 2 » من فرساننا * والضاربين جمجم الأبطال

--> ( 1 ) المضطرب : مفتعل من الضرب في الأرض وهو أن يخرج تاجرا أو غازيا والنشب محركا : المال . ( 2 ) الجزء : اسم من قولهم : ما أحزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان أي فعل فعلا ظهر . أثره وقام مقاما لم يقمه غيره .